الشعر درة العقل (2) بقلم : د.عائشة الرازم
كتبهاعائشة الرازم ، في 5 تشرين الأول 2007 الساعة: 21:38 م
لا ادري كيف أصبح الشعر طفلاً بريئاً يتضاحك عليه الناس كبيرهم وصغيرهم كأنه مستثنى من الجد وكـأنه ثانوي الروح بين الأرواح المتصارعة ؟ ولا أدري كيف بات في هجمة الأيام التكنولوجية والمادية وموازنات الدول عند العرب وحدهم يشكل ابتسامة غافلة لا معنى لها عند أصحاب الآذان الطويلة الضخمة فيعلن في الجوائز عن استثناء فيتشاءم الشباب الواعدون من الشعر وهمومه وينتقلون للقصة والنكتة والبوهيمية الحديثة في النصوص الأدبية التي لا تسمن ولا ؟ فيقول هؤلاء فلان شاعر يا حرام !! فبينما العالم يحتفي بالشعر ويقسمه على الشعوب مثل خبز السماء المبلل بالفرح والمعاني والإنسانية والتعبير البليغ ، يهيئ العرب لحرب سقيمة بالاستخفاف بالشعر وكأنهم أهل الانشغال والابتكار والاختراعات العلمية ، وكأنهم عملوا في العالم على توسعة مدارك الحياة التكنولوجية ولم يتسع عالمهم للبديل الثانوي ألا وهو الشعر !
إن ما يدور الآن في العالم العربي من انتقاص واتجار بصناعة الشعر من خلال المسابقات الأسيرة للاتصالات ، والتي تخضع للأرباح الفادحة ، يؤشر فعلاً لانهدام البوتقة الماسية لديوان العرب ! وأنا لا ألوم القائمين على الجوائز والمسابقات، فهم أصلا غير قريبين من أحاسيس الناس وأحلامهم، فالشعر لا يمت بقرابة للأرواح الشريرة المتصارعة على الدم واللحم والمادة. والشعر لم يكن في يوم من الأيام باقة ورد واحدة تقدم لأصحاب التجارة الاستهلاكية وامتصاص دماء ودموع الشعوب، ولم يكن باقة سنابل متشابهة في يد سيدة يحمر خداها خجلاً لكلمة غزل ! ولم يكن على الإطلاق في نزيف الشعراء الساهرين شعلة من دماء عصافير في سماء الإحساس الشعري التي تصرخ معترضة لا لعبارة
( اضرب عصفورين بحجر واحد ) من منطلق أن الشعراء فقط هم الذين يربأون بأنفسهم من التدحرج وراء الأقاويل الجارحة للعصافير والعارفين حدود الغلط والمسموح والغلط الشائع ! والشعر لم يكن يوماً دخاناً لنار في أتون السعار بين شقيقين أو متحاربين بقدر ما هو صاحب واجب كبير للإصلاح بين هذين المتخاصمين ! أو هكذا يصلح أن يكون في كل عصور الظلام ومضة من لباس نبي تشتعل فيها الحرائق لتضيء على رأس جبل يحسبه الأعمى قبساً من النور ! فيصدق حدسه ويبصر من خلال الوميض !
فالشعر لم يولد لامرأة واحدة تحمل كل معاني الجمال في صدرها العامر لتتحلى به دون غيرها ، بل لكل نساء الأمومة في الأرض ، والشعر ليس صفحة حب تكتب لامرأة واحدة تدهش الأرض بجلبتها وغنج أنوثتها النابية بين الفر قاء المساومين على الإحاطة بها بين العاشقين ، والشعر ليس لها وحدها ، وهو ليس لامرأة بملامح جمالية خاصة وليس لوجه واحد يمتلك الملامح النافرة بين الوجوه القبيحة المسكينة ، وليس شمعة بلون التنور يخبز عليه الفقراء غذاءهم الدامي فقط ، بل فرحهم في ليالي العناء والبرد القارص والحر والموات في أنات الشتات !
الشعر هو العلامة لكل الوجوه الجميلة والسائرة في طريق الجمال ، هو الطرق الأتوسترادية التي لا تتوقف عن الهطول بين السهول والتلال والقرى المفخخة الحجارة لتوصل الأقدام المدماة والحفاة على الطريق المأمول ، وهو الماء السلسبيل في جرار السبيل على الطرق المحرومة من ينابيع الشراب ! بين كل الدروب ، إنه الهرولة النشطة في ذهن الجمع بين الجمال وبين القبح ليقسم النصيب دون أن يحرم قبيحاً من روعة الجمال ، إنه الواسطة بين الطريق المغلق وبين الطريق المفتوح الطويل وبين المساحة القصيرة في شريان القلب الأقصر من عمر وردة ! فيكون الدوار المتوسط للصدر الخافق بالحياة .
إنه البحث في دروب الحقيقة اللامرئية في عيون البشر واللامحسوسة في خلايا الدم إلا ما ندر عند أصحاب المشاعر والذائقة الحسية العالية الرنين !
نعم …. ففي الشعر نعثر على وجوهنا بالتمام والكمال ، كما هي باستثناء نتؤاتها النافرة على المرآة المحدبة في عمق الجدار الخشن ، لنراها غير باهتة الجبين ، بل تتعالى على الحدود المفرطة بالغي والهلوسة والإغواء لمنح المرآة قبلة الصباح عند الخروج إلى يقين الكلام !! وفي الشعر السر للمرآة التي تجذبنا لحدود التلمس الناعم لخشونة دواخلنا ، فالشعر مصباح ديوجين يحيط بنا ويقدم أقدامنا للأمام ويمنحنا روعة الاختبار والاكتشاف لمضامين قلوبنا ونبضها المتسارع السليم حتى في حال مرض القلوب ، وبالشعر تحيا الشعوب في عزاء الجسد كأنه تحصيل حاصل الجرح الذي لا ريب فيه .
نعم … بالشعر نخلف الصفحات والباقات العديدة الملونة للدنيا في كتب محفوظة لا تموت… ونسميها الشعور والمشاعر…. إنه الشعر ! وهل هناك أرقى من المشاعر والشعور نخلفها نعماً وثروات لا تعد ولا تحصى ؟ وهل أرقى وأسمى من أحزان يسيل لها الشعر دمعاً شعورياً لا فرق بينه وبين الدم القاني حين يجي ء مستبسلا بأسلوب الوزن والقافية والإيقاع وموسيقى نبض القلوب ؟ فهو الذي يبعث الحياة للأجساد ويضيء الأرواح على مرتفعات الكون ، فيا له من جلال وهيبة تحيط مدى الإنسان بالإحساس والمكنون !!

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























